عدد المشاهدات : 401

(( فإذا سَوَّيْته وَنََفخت فيه من رّوحي فقَعواْ لَه سَاجدينَ ))

قيلت هذه الآية الكريمة في وصف خلق آدم عليه السلام .. واختلف المفسرون فيما تعنيه هل المقصود بها أن الإنسان جزء من روح الله أم أنها روح مخلوقه إصطفاها الله وكرمها ليجعلها في آدم عليه السلام .. العقيدة المسيحية تتبنى الرأي الأول وتقيم عليه أساسها فهي تقول بأن آدم من روح الله وخطيئته لوثت هذه الروح فكان لابد من التجسد في شكل إنسان ليعذب ويغفر خطايا البشر .. بينما تختلف عقيدة الإسلام في عدم التطرق لهذا الأمر وإعتباره من الغيبيات ..

وعلى أي حال ما يعنيني في مقالي هو التأمل في معنى هذه الآية الكريمة وما به من جلال وكمال يورث في القلب رجفة كما يقول دكتور مصطفى محمود .. التأمل في أننا كبشر نفخ الله فينا من روح خصها واصطفاها .. أي مقام جليل كان لآدم وأصبح لنا .. أي تشريف للطين غير من خواصه وأصله ليرقى به لمرتبة خليفة الإله الواحد في خلقه ..
ما تغلب الشيطان على روح آدم بل على جسده .. على ماديته .. هكذا منذ بدأ الخليقة الإنسان يخلق ويعيش جسد وروح لكل منهما متطلباته التي قد تطغى على الآخر .. وقد تتكامل معه

في كل العقائد السماوية وغير السماوية .. يحث القائمين على العلم فيها الناس على التجرد والزهد ولو لبضع أيام في العام كما عندنا في شهر رمضان .. فالحكمة ليست الحرمان على العكس .. هي مقويات لهذه الروح للتغلب على شهوة الجسد هي مقويات للسمو بهذه الروح فوق التفكير المادي الذي يحط بها إلى أسفل ويعوق إرتقائها المنشود والمفروض إلى من خلقها ..

للإنسان طبيعة تختلف عن سائر الكائنات الأخرى .. فهو ليس شراً مطلق ولا خير مطلق .. بل لطبيعته المزدوجة بين جسد وروح .. بين شهوات البقاء ..وشيء في أعمق أعماق ذاته يسميه أحياناً " ضمير " يظل متصلاً بذات الله الذي خلقه ويبقى في روحه كبقعة نور غير مرئية لكنها محسوسه تؤرقه متى حاد عن الطريق الصحيح وتشير إليه بإلحاح لطريق يحبه الله ..

ذلك تفسير لدعاء النبي عليه الصلاة والسلام " والخير كله إليك والشر ليس إليك "

نعم الخير كله لله وهو مصدر كل شيء جميل فينا .. البر والرحمة والحب والإيثار والحنان والقناعة .. الخ
كلها صفات مرتبطة بالخير الذي هو لله وبثه فينا مع روح آدم ..فاستحق سجود الملائكة ..
بينما ما ينتاب الروح من أمراض دخيلة عليها تتعب صاحبها ليست من حقيقتها في شيء ...فتش عن شيء ما غير سوي تعرض إليه أو ألفه ذلك الإنسان الشقي

لذلك كانت عبادات مثل الصيام والصلاة والإعتكاف والمناجاة .. لمن ألفها وأدرك لب حقيقتها وأبصر نورها الخفي هي السمو الحقيقي والمستحق لذات الإنسان إلى حيث النفخة الأولى التي كانت له سبب وجود والتي يستحق صاحبها وحده العرفان والشكر لذاته قبل أن يكون هو المعطي وهو المانع ...

إذا أدركت في روحك نعمة .. فخذ دقائق لاستحضار النية فيما ستفعل ...
إذا أحببت فأحبب لله .. وأبقي حبك في البقعة البيضاء .. ولا تبغض فقلب من أبصر حقيقة وجوده لا يتسع للحب والبغض معا