عدد المشاهدات : 188



هي احدي رموز العمل الاذاعي المصري علي مر ثلاثة عقود .... عاصرتها اجيال لا تنسي صوتها خلف الميكروفون .... عبر العديد من البرامج الاذاعيه المميزه ... اشهرها "ربات البيوت" ....
للاطلاع عن كثب عن حيثيات الاعلاميه سهام كمال .... تم نقل حوار اجرته معها ... "سلمي انور" .. و نشره موقع "مصريات" بتاريخ 12/11/2015
"من أمام الميكروفون كنتُ معكم، سهام كمال"
على مدار ما يزيد على ثلاثة عقود، اعتادت الإذاعية المخضرمة سهام كمال أن تكون أمام الميكروفون.. بل أن تكون حول الميكروفون من كل اتجاه، تملأ بصوتها العريض كل مساحات المايك وثقوبه الصغيرة فائقة الحساسية بحيث لا تدع لأذني المستمع مجالا للانشغال بغير صوتها.
من بين أبناء جيلي، الذي تفتح وعيه على ذاته والعالم من خلال الفضائيات والشبكة العنكبوتية، قليلون فقط من ترتبط آذانهم بالإذاعة المصرية ببرامجها وأصوات مذيعيها...قليلون من يشعرون بالحنين لدى الاستماع إلى صوت فاروق شوشة أو أبلة فضيلة... قليلون منا فقط هم من يترقبون فزورة آمال فهمي الإذاعية في رمضان أويُفطرون على أذان محمد رفعت وابتهال النقشبندي.. وأقل من هؤلاء بكثيرمن دلفوا إلى أروقة ماسبير وتعرف على ما في "بطن" المبنى العملاق وطرقاته الطويلة الملتوية.
وعليه، فإن الرحلة التي صحبت فيها الإعلامية سهام كمال "مصريات" إلى داخل ماسبيرو وإلى زمان ازدهار الإعلام المسموع من خلال حكايتها مع الميكروفون، ستبدو رحلة غريبة على وعي البعض منا... لكنها بالقطع ستثير حنين البعض الآخر.
بين أم طموح منكسرة وأب غيور صارم
ولدت سهام كمال لأسرة من الطبقة الوسطى، لأم ذات حُسن وطموح وثابة الأحلام شاءت لها الأقدار ألا تُكمل رحلة التعلم والعمل كما يليق بطموحها، فكسرت حلمها الأقدار والزواج المبكر... وأب عنيد غيور متحكم صعب المِـزاج.
كانت سهام كبرى إخوتها، وكانت وعاء صُب فيه طموح الأم وقوة الأب فضلا عن قدر كبير من جمال الطلة وفخامة الصوت، فكانت هذه التوليفة عامل استفزاز للأب الغيور كي يحاول بشتى الطرق إحكام السيطرة على ابنته الحسناء الطموح وتثبيط طموحها ما استطاع إلى ذلك سبيلا!
"لما بابا لقى عندي مواهب في الكتابة وميل للقراءة في الأدب وعلم النفس والاجتماع قرر يقتل طموحي، وأجبرني ألتحق بالقسم العلمي في الثانوية العامة...كان توقعه إني أفشل في تعليمي لأن ميولي أدبية وفكرية...في الوقت دة كنت أقرا بنهم شديد، نجيب محفوظ ويوسف إدريس والسباعي وإحسان...وفي المدرسة كنت أستنى الفُسحة عشان أقضيها في المكتبة أقرا في الكتب اللي مش متوفر في مكتبتي في البيت...ومانساش مجلة حواء...المجلة دي كان ليها دور كبير في تنويري وتوعيتي، لأن أمي على طموحها مكانتش بتدير معايا أي حوار، ولا كانت تفتح وعيي في مراهقتي على الموضوعات اللي ممكن تشغل بالي في وقت التكوين...أما بابا فكان يقوللي: نفسي مرة أدخل عليكي ألاقيكي ماسكة إبرة وفتلة بتعملي كانافاه ولا كروشيه زي باقي البنات مش دايما ماسكالي كتاب!"
لكن سهام التي كانت تفهم أباها جيدا والتي قبلت تحديه نجحت في الثانوية العامة في القسم العلمي وإن لم تُحصّل الدرجات التي تؤهلها للالتحاق بإحدى كليات القمة، لتجد نفسها في النهاية طالبة في كلية الزراعة!
"انهارت أحلامي كلها في اللحظة دي...المستقبل بدا غامض ليا جدا ...حكمل؟ زراعة؟ وبعد الزراعة؟ بس اللافت في كلية الزراعة ان معظم خريجيها بيشتغلوا بعد كدة في مجالات ليها علاقة بالعمل الاجتماعي والعمل العام! يمكن لأن دارس الزراعة بعد فترة من دراسته بتاخده التأملات ويزدهر تفكيره المجرد ويتعمق فلسفيا في الحياة! المهم اني نجحت واتخرجت وكنت التانية على دفعتي وسط حالة غضب ومقاطعة من بابا اللي كان منزعج من إصراري على التعلم... واتعينت في المركز القومي للبحوث".
ماسبيرو.. الصندوق السحري
لم يكن المركز القومي للبحوث هو المكان المنشود لسهام، لكنها كذلك لم تملك حـُلما بديلا إلى حد تلك اللحظة...ثم جاءت الفرصة القدرية من حيث لم تحتسب سهام ولا أسرتها حين أعلنت الإذاعة المصرية عن عقد مسابقة للمذيعين من أي تخصص كان ومن أي إقليم في الجمهورية.
"اتقدمت للمسابقة ومكانش عندي أمل في الفوز...كنت فاهمة انها مسابقة صورية وإن المذيعين مختارين مسبقا، لكن رحت بس عشان أدخل ماسبيرو! رحت عشان لما أطلع من المبنى المهيب دة أحكي لبابا وماما الصندوق السحري دة اللي اسمه الراديو واللي بنسمع فيه البرامج الحلوة دي، إيه وراه؟ مين أصحاب الأصوات الحلوة اللي بنسمعها دي؟ وازاي بيبقى شكل الاستوديو!"
بدا مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون للفتاة الشابة الخجولة مهيبا وضخما ومبتلعا بلا رحمة، فصعدت إلى حيث لجنة الاختبار وهي مبهورة الأنفاس وجلة مندهشة من كل التفاصيل وكل الوجوه.
وبعد أن أدت الاختبارات التحريرية، جلست سهام في أحد الاستوديوهات في انتظار دورها كي تقف أمام الميكروفون للمرة الأولى في حياتها على الإطلاق...وكانت قد أعدتْ لهذه اللحظة نصا للكاتبة الصحفية مي شاهين التي كانت تكتب في جريدة الأخبار والتي كانت كاتبة سهام كمال المفضلة في تلك المرحلة من حياتها، كي تقرأه على اللجنة.
"كانت لجنة عمالقة في الوقت دة...صفية المهندس...بابا شارو...ومهدي علام اللي كان وقتها رئيس المجمع اللغوي...معرفش إيه اللي حصل وأنا واقفة أمام اللجنة ومن فين جاتني القوة دي بس لقيت نفسي انطلقت أمام الميكروفون! خرجت عن خجلي المعهود وقريت النص بإحساس وقوة...ومن وقتها ودة ظل حالي مع الميكروفون: أول ما أكون أنا والميكروفون أحس اني لا أمثل نفسي...إنما أمثل صوت مصر، فتغادرني تخوفاتي وأنطلق"
عرفت سهام التي كان وعيها يتفتح لتوه على مجتمعها بأن الكفاءة هي معيار الالتحاق بماسبيرو في ذاك الزمن الجميل، خاصة بعد أن رأت بعينيها شباب مصر الريفي من غير ذوي الواسطات وقد قُبلوا مذيعين ومقدمي برامج دون حسابات معقدة من نوعية "كشف الهيئة" و"ابن مين في البلد"، فمنحت جل طاقتها لعملها وللمبنى الساحر كما تصفه.
"كانت مفاجأة كبيرة إني أنضم للإذاعة...حتى أبويا لم يملك إلا أن يفرح بانتصاري دة...لكن أطرف رد فعل كان رد فعل إحدى مسنات العائلة اللي كانت من البساطة بحيث انها لما كانت تسمع صوتي في الراديو كانت تصر انها تقوم تعملي كوباية شاي وتحاول تسقيني من فتحات السماعة!"
وتسترجع سهام كمال مع "مصريات" كيف أنها بدأت تنضُج شخصيا ووجدانيا مع نضوج تجربتها الإعلامية التي دفعتها دفعا للتفتيش في خبايا مجتمعها وتشوهاته الجسيمة وأحوال نساء مصر التي كانت تنتقل آنذاك من الحقبة الناصرية إلى العهد الساداتي، فجاءت حواراتها الإذاعية الأولى لتفجر قضايا مجتمعية وإنسانية لم يكن يلتف إليها الإعلام كثيرا في ذلك العهد.
كان أول لقاء إذاعي أجرته الشابة المتعطشة لمعرفة المجتمع المصري مع "قيادة شعبية"تمثلت في امرأة عادية جدا ألهمها عقلها وحسها المجتمعي إلى التطوع لمحو أمية النساء من حولها، في زمان لم تكن فيه ثقافة التطوع متجذرة، فقامت بهمة تجمع النساء من الحارات والأزقة المجاورة لتعلمهن القراءة والكتابة...كانت امرأة آسرة في قوتها وأمومتها الفطرية ووعيها الحاد بأهمية الخروج ببلادها من قمقم الجهل والعادات البالية، فافتتنت بها سهام وحاورتها طويلا لتخرج بلقطة إذاعية لاقت قبولا كبيرا وصدى آنذاك.
أطفال الأحداث والمتأخرون فكريا والمعنفون.. أن تكون صوتا لهؤلاء
ثم جاءت المحطة الثانية في رحلة سهام كمال المهنية، تلك التي تتوقف عند سردها باهتمام وتأثر:
"من وأنا مراهقة كنت أطل من شباك بيت والدي، وكان شباك بمشربية وزجاج ملوّن في بيت من البيوت الأثرية اللي فضلت تقاوم الزمن لحد زلزال 92، وكنت أشوف أما بيتنا مكان له أسوار عالية وكئيبة...كنت أسأل ده سور إيه يقولولي سور المؤسسة...مع الوقت أدركت إن دي مؤسسة لأطفال الأحداث، وفهمت ليه كنت لما أطل عليها كنت أشوف أطفال بيتضربوا بالخرطوم وبيتهانوا من المشرفين وأسمع الصريخ والعياط...كان شيء تعيس وماكنتش أملك ليهم شيء...لكن مع دخولي ماسبير كانت اللحظة المناسبة للتدخل، فكانت المؤسسة دي أول مكان أقتحم أسواره بالميكروفون في أوائل تجربتي الإذاعية...دخلت وأجريت حوارات مع الإدارة والمشرفين والأطفال وحاولت أكون صوتهم وألفت المجتمع للانتهاكات والتجاوزات اللي بتحصل ورا الأسوار والأبواب...قبل كدة ماكانش فيه اهتمام بالقضية دي ولا كان فيه عين مجتمعية على المؤسسات دي ...لكن بعد ما اشتغلت على الموضوع وأخرجته لدائرة الضوء ابتدا يبقى فيه شيء من الرقابة "
لم تكتف سهام بكشف المستور وجلب العيون المراقبة على المؤسسة، التي علمتْ فيما بعد أنها جمعية للدفاع الاجتماعي تابعة لوزارة الشئون الاجتماعية، بل غدت كذلك عضوا بمجلس إدارة الجمعية لتتابع تطور أحوالها وأعمالها يوما بعد يوم.
القضية الثانية التي فجرتها الإذاعية سهام كامل كانت قضية عمالة الأطفال والعنف الذي يتعرضون له على أيدي "المعلمين" في الورش والمصانع الصغيرة العشوائية.
"في يوم من أيام رمضان وكان صيف وحر وبعد ما نزلت من ماسبيرو وفي طريقي للبييت مريت بالصدفة على ورشة تصليح عربيات من الورش اللي كانت منتشرة في بولاق أبو العلا وراء مبنى ماسبيرو، شفت طفل صغير عمره تسع أو عشر سنين متلطخ بالشحم ولبسه مبهدل والمعلم بتاعه ماسكه من رجليه ونازل فيه ضرب على رجليه والولد يبكي ويستنجد وصاحب الورشة مستمر في ضربه..وكل شوية يقوم الولد ويدلق مية ساقعة على رجليه عشان ما تحصلش إصابة ولا عاهة ويأمره يجري في المكان عشان يجري الدورة الدموية وبعدين يكمل فيه ضرب! مشيت بعدها دقايق لقيت قطة محبوسة ورا بوابة محل وست أجنبية واقفة تقطع عيش وترمي أكل للقطة من الفتحة الصغيرة اللي تحت البوابة...المفارقة هزتني وحسيت ببشاعة وقسوة المشهد الأول في مقابل رقة وإنسانية التاني وقررت أفجر القضية..وقد كان!"
ومنذ ذاك اليوم دشّنت سهام كمال تقليدا جديدا اتُبع من ورائها في الإعلام المصري، وهو الاحتفال بأعياد الطفولة من كل عام إما في مؤسسة للأحداث أو في ملجأ لأطفال الشوارع أو مع الأطفال العاملين في الورش والمصانع.
ولم تنس سهام كمال في بواكير رحلتها الطفل المتأخر فكريا والذي كان في تلك السنوات يعامل معاملة قاسية خاصة في القرى والأماكن الريفية، بل إنها في رحلة بحثها عن حالات لأطفال متأخرين عقليا وجدت بعض الأسر تربط الطفل المعاق في حجرة الخزين أو مكان الفرن لتخفيه عن العيون خشية أن يجلب علي الأسرة العار أو يعطل الشقيقات عن الالتحاق بركب الزواج!
"وأنا طفلة أذكر كان فيه طفل معاق ذهنيا جار لينا في شارعنا...وكان كمان عنده مشكلة في الحركة بصورة طبيعية...الأطفال في شارعنا كانوا بيخافوا منه وبيتكلموا عليه كأنه وحش مخيف عايز يؤذيهم...لدرجة إنه لما كان يخرج للشارع كان الأطفال يجروا وراه ويحدفوه بالطوب...كنت أقف في البلكونة أشوفه بيتضرب وبيصرخ وأخاف منه زي باقي الأطفال...ماحدش في طفولتي فهمني إن دة إنسان له ظروف خاصة تستدعي معاملة خاصة وإنه مش مخيف ولا شيء، لحد ما دخلت جمعية الدفاع المدني ولقيت الولد دة في يوم داخل الجمعية...قام رئيس الجمعية قابله بنفسه وأخده بالحضن! وأنا وفوجئت بالولد المتأخر عقليا لأول مرة بيبتسم ابتسامة زي الشمس، وبيحضن رئيس الجمعية بحب وحنان...وهنا بدأت أفهم، وأكلم الناس عن ذوي الاحتياجات الخاصة بالذات المتأخرين فكريا وحاولت من خلال شغلي أخلق جسر للتواصل بين الناس وبين المتأخرين فكريا وذي الاحتياجات الخاصة عموما".
وفي استرجاعها مع "مصريات" تسترجع سهام كمال حكاية زيارتها لملجأ أطفال في العمرانية بالجيزة، وهي منطقة ما بين حضرية وبين ريفية بها ما بها من مظاهر العنف والتشوه الاجتماعي...هناك، التقت سهام كمال بطفل عمره خمس سنوات يبتسم في صمت ولا يكاد يعرف كيف يحكي حكايته التي انتهت به إلى هذه المؤسسة...وبالاستفسار علمتْ سهام أن الطفل وراءه حكاية كانت صعبة على استيعابها آنذاك، فأم الطفل وقعت في غرام رجل ما عرفته بعد الزواج والإنجاب وتواعدا على الزواج والهجرة إلى إيطاليا...تركت الأم زوجها وطفلها وجرت وراء العشيق وأحلام الحب في بلاد المهجر...لكنها هناك عرفت وجها آخر للعشيق الذي استغلها وأذلها قبل أن يهجرها لتركب الصعاب وتعود لبلادها حسيرة منكسرة...لكنها لم تعد أبدا كما رحلت...فقد عادت مُحملة بشحنة من الكراهية والحقد على الكل حتى على طفلها الوحيد، وبدأ سلوكها نحوه يتسم بالعنف حتى أخذتها هستيريا "العض" فبدأت تعض في لحم طفلها كل حين وآخر وبلا رحمة، كأنما تُفرغ في جسده الصغير إحباطها وحقدها...فما كان من جدة الولد، أم أمه، التي خشيت من ابنتها على حفيدها إلا أن هربت به وأودعته هذه المؤسسة لتنجو بجسده الصغير من أنياب الأم!
"ماكنتش قبلها ممكن أتخيل إن فيه في مجتمعنا حالات زي كدة...كنت متربية في علبة قطيفة! أبويا وأمي كانوا حريصين على اني أفضل بريئة ومعزولة ونقية فلما خرجت للمجتمع كان كل شيء صادم بالنسبالي!"

زواج القاصرات...البيزنس المسكوت عنه
تحكي سهام لـ"مصريات" كيف أنها تعاونت مع عضو بمجلس إدارة جميعة الدفاع الاجتماعي ولواء بالداخلية كي يمدها بالمتاح لديه من بيانات عن قضية زواج المصريات القاصرات من أجانب، والتي كان مسكوتا عنها آنذاك. واكتشفت الإذاعية الشابة المتحمسة وقتها كيف أن المسألة تعدو كونها مسألة حالات فردية لفتيات أوقعهن حظهن العاثر في طريق الزواج من أجنبي مُسن فاستغلها جنسيًا أو أهانها وأعادها كسيرة القلب، بل إن الأمر أشبه بالبيزنس المتعارف عليه في بعض المناطق الريفية والشعبية من مصر! فالأسر المغموسة في الفقر كانت على استعداد للمتاجرة ببناتهن القاصرات تحت قناع الزواج في مقابل تحصيل دخل شهري ثابت أو مبلغ كبير بعد إتمام الزيجة.
"حكايات البنات كانت تقطع القلب... من بينها حكاية بنت مراهقة بعد ما اتجوزت بتوكيل وسافرت اكتشفت ان الزوج رجل مسن كفيف استقدموها أبناءه الذكور عشان تخدمه وفي نفس الوقت عشان يتناوبوا على الاستمتاع بيها...كان ملف موجع وماحدش بيتكلم عنه...الحاجة التانية اللي مكانش في كلام عنها موضوع ختان الإناث، والالتباس بين العادات الموروثة وبين صحيح الدين...والإيدز اللي مازال حتى الآن ملف شائك في الإعلام والحديث عنه على استحياء...كلها قضايا شغلتني في بداية رحلتي وكنت عايزة أفهم وأوعي الناس معايا...كنت عايزة أكبر وأعرف وأفهم مجتمعي وأكون ناقل أمين وصوت للي مالوش صوت".
ماسبيرو وبدايات التدهور
شهدت سهام كمال مع زملائها الجادين، ممن ازدهرت أحلامهم في أروقة ماسبيرو في ستينياته وسبعينياته، على تدهور أحوال المبنى الحُلم في أواخر الثمانينات وبدايات التسعينيات من القرن الماضي...كان السياق السياسي المصري في عمومه أميل إلى الركود وقلة الإبداع، وكان الخطاب الرسمي مجدبًا مملًا ومحفوظًا، فانسحبت أجواء "الاستقرار" المزعوم تلك على بيئة العمل الإعلامية وبدأت أجواء ماسبيرو تفقد الكثير من بريقها وزهوة الأيام الحلوة التي مضت.
ومع هذه الأجواء بدأت سهام كمال في التقوقع على ذاتها والانخراط في العمل بلا كثير ضوضاء في محاولة منها لتجنب الصراعات الكثيرة الدارة من حولها.
"انا كنت عاملة في علاقتي بماسبيرو زي السمك اللي لو طلع من المية يموت...ماقدرش اسيب شغلي...وصعب أكمل في الحرب النفسية الطاحنة اللي كانت دايرة على النفوذ والصلاحيات والترقيات داخل المبنى... كان كل شيء مجهد وغير مواتي ومكانش أمامي بديل غير مزيد من الاجتهاد في الشغل...وكلما نجحت حوربت فزاد تقوقعي على نفسي"
لكن في أوقات الازدهار كما الخبو، ظلت سهام كمال محتفظة بالتقليد الذي يعرفه عنها كل المقربين والزملاء: سهام كمال لا تستمع إلى صوتها على الراديو أبدا!
"كل اللي حواليا عارفين اني من سنين مش ممكن أسمع نفسي على الهوا ...أولا لأني ناقدة شديدة جدا لنفسي على المستوى المهني...ثانيا لأني في بداية حياتي المهنية حصل خطأ تقني كان مسئول عنه المونتير وبسببه تداخلت حلقتان مختلفتان لمدة خس دقايق، ومن ساعتها كل ما أسمع صوتي على الراديو أفتكر الحلقة المتداخلة دي وأخاف وأقفل الراديو!"
وحتى في تلك الأيام غير المزدهرة من عمر ماسبيرو، ظل مكتب سهام كمال المنزلي بغرفة نومها مملوءا بأكداس الخطابات التي كانت تصلها من مستمعين عاشمين في أن تحكي قصتهم أو تعينهم برسالة مودة أو بتوصيلهم بجهة ما تنتشلهم من معاناة الحياة...
"دايما كان عندي أكوام من الخطابات على مكتبي...مكانش أيامنا فيه إنترنت وإيميلات...كانت كلها خطابات مكتوبة بخطوط أصحابها وفيها ريحتهم وبصمتهم وعليها عناوين الأماكن اللي جات منها...كان شيء مجهد نفسيا انك تتابع تفاصيل حياة الناس ومش دايما بتكون قادر على المساعدة...من ضمن الجوابات أفتكر بنوتة مراهقة بعتت قالتلي انها قررت تحرق نفسها ! كانت عايشة حياة بائسة وشديدة الفقر، مع أم شرسة وعنيفة وأب غير متفهم، وأخت معاقة ذهنيا هي اللي بتهتم بيها وأخ مجرم يعبث بجسد أخته المعاقة ذهنيا! كانت بيئة فاسدة بالكامل...كان المخرج بالنسبالها هو الجواز من راجل مُسن في واحدة من الصفقات المعروفة، فاضطريت أتدخل واستضفت البنت عندي في البيت وسط أولادي وتواصلت مع أمها لحد ما رجعتها بيتها بشروط"
عندما بكى عشماوي في غرفة الإعدام!
شيء ما في بوصلة سهام كمال كان يوجهها ناحية السجناء والسجينات القاصرات...كانت تجد نفسها دوما مدفوعة في هذا الاتجاه محاولة ً دخول عوالم السجناء والسجانين وفهم ما يجري خلف القضبان، فكان لها برنامج حمل عنوان "حكمت المحكمة" كانت تزور فيه السجينات القاصرات لتقف على حكاياتهن المليئة بالقهر والانتهاك قبل السجن وداخل السجن.
ومن بين ما حكت سهام لمصريات كانت حكاية حوارها مع عشماوي منفذ أحكام الإعدام الأشهر في مصر، وكان ذلك في بواكير رحلتها المهنية...وعن دوافعها لاختيار هذه الشخصية لتجري معها حوار قالت سهام كمال إنها كانت مشغولة جدًا بأسئلة إنسانية عن رجل له هذه المهنة: عن شعوره بما يفعله، وكيف يزهق الأرواح في الصباح ثم يعود إلى أسرته كأي رجل في المساء، بوجه الزوج والأب الراعي!
"سألت عشماوي: عمرك بكيت وانت بتنفذ حكم الإعدام؟! فقال مرتين اتنين بس...الأولى وأنا بأنفذ حكم الإعدام في هبة سليم، الجاسوسة المصرية اللي جسدت قصة حياتها مديحة كامل في فيلم الصعود إلى الهاوية الشهير...عشماوي قال في اللقاء انها كانت جميلة جدا ورقيقة جدا لدرجة انه كان مستخسرها في الموت وانه بكى لإزهاق روحها! المرة التانية اللي بكى فيها عشماوي كان وهو بينفذ حكم الإعدام في قاتل...القاتل أقسم لعشماوي كتير جدا انه مظلوم وانه ما قتلش الراجل اللي اتهموه بقتله...ولما شاف إنكار عشماوي وعدم تصديقه قاله: شوف أنا بين يدي الرحمن وكدة كدة ميت...مافيش شيء يدعوني للكدب..أنا ماقتلتش الراجل دة...لكن زمان قتلت واحد وما أخدتش جزائي! ودلوقتي أنا باتحاسب على جريمة مارتكبتهاش...ساعتها بكى عشماوي من عدلية السماء".
وباح عشماوي لسهام كمال يومها أنه كان من الثقة في قضاء مصر وقضاتها بحيث كان يعود إلى بيته فينام قرير العينين متأكدا من أنه كان يد العدالة المقتصة مستشعرا أنه أدى واجبه تجاه مجتمعه.
الزهايمر...في البيت وفي ماسبيرو!
حكت سهام كمال مسترجعة بتأثر كيف أن أمها أصيبت في نهايات رحلتها بمرض الزهايمر الذي لم يكن معروفًا في ذاك الوقت، وكانت الأم آنذاك في رعاية ابنتها سهام التي لم تكن ملمة تماما بأبعاد المرض...لكنه حين دخل بيتها، لم يكن منها إلا أن تسلحت له بالمعرفة والقراءة والاطلاع ومحاورة الأطباء والمتخصصين كي تساعد أمها في محنتها أولًا، وكي تؤدي رسالتها تجاه مجتمعها ثانيًا.
"كانت محنة صعبة استمرت سنين...الأم الجبل اللي كانت تدير بيت طويل عريض مليء بالأبناء والأحفاد بلا كلل ولا شكوى، بدأت توهن وتركيزها يخفت وتواصلها يبقى مشوش...كان لازم أفهم وأواجه...وبالفعل بدأت أذاكر عن المرض اللي مكانش معروف في الوقت دة للناس، وأحضر مؤتمرات وأعمل أبحاث أنشرها في المنتديات العلمية وأنشر الوعي بالمرض الغريب دة في الإذاعة...مش بس كدة، وبدأت أعمل حلقات إذاعية جديدة موضوعها المسنين ركزت فيها على أمراض الشيخوخة وآلامها النفسية وتحدياتها...وفي البرنامج دة التقيت بمسنين كتير بعضهم كان من الشخصيات العامة اللي شاركت المستمعين في تاريخها وذكرياتها، وبعضهم كانوا غير معروفين التقيت بيهم في دور المسنين اللي كنت بادخلها بالميكروفون...بعض دور المسنين هي أماكن قاسية جدا على المسنين...الأبناء مش فاهمين إن المكان الطبيعي والمناسب للمسن هو وسط أهله خاصة لو كان مريض الزهايمر".
ومن محنة مرض الأم إلى محنة مرض الزوج، تحكي سهام كمال عن زوجها الراحل الذي لا تشير إليه إلا بـ "فارسي النبيل" والذي تحدت معه مرض السرطان في نهاية رحلته...
"لما عرفته في بداية رحلتي ورحلته المهنية في ماسبيرو كان شاب ريف بسيط...اتودد ليا في الوقت دة شباب أغنى منه وكانوا من أبناء المدينة يعني نشأتهم أقرب لنشأتي، لكني لمست فيه العفة والطيبة والحنان اللي صعب تلاقيهم في أي حد، فقررت أكمل الرحلة معاه...وكان سندي وصديقي اللي أثق في رأيه في شغلي وفي حياتي المهنية وتحدياتي...في الأيام الأخيرة من رحلته مكانش يعرف انه مصاب بالسرطان...الدكاترة قالوا مسألة شهور وينتهي...لكن أنا أصريت انه مايعرفش الكلام...وقضيت بصحبته الأيام الأخيرة من رحلته بابتسامة رغم الألم الطاحن اللي حملته بداخلي "
على المعاش...ذاك أفضل جدا!
حين جاء الوقت الذي كان فيه على الإذاعية سهام كمال أن تودع العمل بماسبيرو، لم يكن لها أن تودع العمل الإعلامي! فهي في علاقتها بالعمل الإعلامي كما قالت أشبه بالسمك في الماء! لذا كان لابد من بديل، و هنا جاء دور الوسيط الإلكتروني، ذلك الفضاء الرحب الذي اتسع لقلمها وصوتها معا.
"حاليًا عندي صفحة على فيسبوك باتعامل معاها كمجلة إلكترونية توعوية ومساحة للإبداع والتنوير الديني...دة غير قناة خاصة على يوتيوب عاملة عليها أرشيف متنوع ما بين قصائد وخواطر وأحاديث ووصايا نبوية...وأعتقد ان التجربة دي أضافت ليا وأمتعتني كتير ووسعت عالمي ...ومن خلال الوسيط الإلكتروني التقيت بشخصيات كتير من بلدان مختلفة وخلفيات متنوعة وأعمار متفاوتة".
والواضح أن الاستمتاع بالأبناء والأحفاد بعد التفرغ ليسا كافيين لإشباع امرأة كان لها هذا التاريخ من الاشتباك مع الحياة.


ادرجت في قائمة الشرف الةطني المصري - باب المبدعين ... بعد منحها قلاده تاميكوم من الطبقه الذهبيه اعتبارا من 10/1/2017


أكثر...