رسالة
يا ابنتي الحبيبة .. ما كل هذه الحيرة التي تعصف بروحك ؟ أعرف إنك لم تنامي جيدا ليله أمس .. قلبي حدثني بذلك .. و لذا ارقت معك حتي الصباح ...وودت أن اضمك لحضني .. و أمسح بيدي علي رأسك لأزيل عنها الأوهام .... الأوهام .... أكثر ما كنتي تعيشين به ..و له ...و لست في ذلك وحدك يا ابنتي ... فهي صفة في الإنسان! ... يجهد روحه و يكذب عقله حتي إذا انهك ... استسلم للأوهام ... و نام ... غير أن روحه تعود فترفرف و عقله لا تكف ومضاته المقلقة لاستنامه الوهم .. فيقلق .. و يأرق ...و يغرق في بحر الحيرة ... مثلما كان حالك الليلة الفائته ...
لن أنصحك بشئ ... فلا شئ أثقل علي النفس الحرة .. الحري من تلقي النصائح ؟؟ و إنما سأرجوك أن تسأليني ... اسأليني يا ابنتي ... لأن السؤال هو الإنسان ... الإنسان سؤال لا إجابه ... و كل وجود إنساني احتشدت فيه الإجابات , فهو وجود ميت !... و ما الأسئله إلا روح الوجود ...بالسؤال بدأت المعرفة , و به عرف الإنسان هويته .. فالكائنات غير الإنسانية لا تسأل , بل تقبل كل ما في حاضرها .. و كل ما يحاصرها ...الإجابة حاضر يحاصر الكائن ... و السؤال جرأة علي الحاضر ... و تمرد المحاصَر علي المحاصِر ... فلا تحاصرك يا ابنتي الإجابات , فتذهلك عنك و تسلب هويتك ..
كانت استاذاتي الطاعنات في العمر تردد دوما و بلا ملل : السؤال نصف الإجابة ! و أوصتني مرة أن أحتفي بالسؤال الجيد , فالأسئلة الجيدة نادرة , و يجدر بنا الإحتفاء بها ... كانت تضيف بحكمة إمراة مقدسة تجاوزت ثمانين من عمرها ما معناه أن السؤال مهما كان جيدا , فلن يلغي حقيقة قاسية تقول : من الأسئلة ما ليست له إجابات ! و ظلت تؤكد لنا قبل موتها بشهور .. الإجابة انتهي وقتها ... انتهت أزمنتها و نحن اليوم في زمن التساؤل ! ... ماتتت الأستاذة علي مشارف التسعين من عمرها , و يقال إن آخر ما همست به علي فراش الموت: كيف يمكن صياغة كل هذه الأسئلة؟
و أنت يا ابنتي معذورة في حيرتك , و في ترددك عن طرح السؤال ... فقد نشأت في بلاد الإجابات ,, الإجابات المعلبة التي اختزنت منذ مئات السنين , الإجابات الجاهزة لكل شئ .. و عن كل شئ ... فلا يبقي للناس إلا الإيمان بالإجابة و الكفر بالسؤال .. الإجابة عندهم إيمان و السؤال من عمل الشيطان ! ... ثم تسود من بعد ذلك الأوهام و تسود الأيام و تتبدد الجرأة اللازمة و الملازمة لروح السؤال ...
لكنك الآن يا ابنتي خرجت عن هذا الإطار و تحطمت من حول رأسك هذه الأسوار و بلغت رشدك... فإن شئت فارجعي إلي ما كنت عليه و كوني ما أراده جدك و ما يريده زوجك و ما يريحك علي فراش أوهام الناس ..أو كوني أنت فاسألي ... أسألي نفسك و اسأليني و اسألي الوجود الزاحر من حولك عن كل ما كان .. و عما هو كائن ..و عما سيكون ... عساك بذلك أن تعرفي كيف كان ما كان .. و لمصار العالم إلي ما هو عليه الآن ... تعرفين ... فتسألين ... ثم تسألين ... فتعرفين ... فتكونين أنت ... لا هم.
_________________________
هذه كانت احدي رسائل رائعة و ثرية فكريا من أم لابنتها ....
من رواية ظل الأفعي .... ليوسف زيدان صاحب رواية عزازيل













LinkBack URL
About LinkBacks


رد مع اقتباس










مواقع النشر (المفضلة)